محمد بن جرير الطبري
245
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى عليه الشيطان كلمتين : تلك الغرانقة العلى ، وإن شفاعتهن لترجى ، فتكلم بها . ثم مضى فقرأ السورة كلها . فسجد في آخر السورة ، وسجد القوم جميعا معه ، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه ، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود . فرضوا بما تكلم به وقالوا : قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق ، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده ، إذ جعلت لها نصيبا ، فنحن معك قالا : فلما أمسى أتاه جبرائيل عليهما السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال : ما جئتك بهاتين فقال رسول الله ( ص ) : افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ، لتفتري علينا غيره . . . إلى قوله : ثم لا تجد لك علينا نصيرا . فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم . قال : فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم ، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا : هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن زياد المدني ، عن محمد بن كعب القرظي قال : لما رأى رسول الله ( ص ) تولي قومه عنه ، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله ، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه . وكان يسره ، مع حبه وحرصه عليهم ، أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم ، حين حدث بذلك نفسه وتمنى وأحبه ، فأنزل الله : والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فلما انتهى إلى قول الله : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه ، لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن ترتضي . فلما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرهم ،